1) تمهيد عملي, لماذا نحتاج إلى فهم المواثيق الدولية لترميم المباني التاريخية
في سياق حماية التراث المعماري, لا يكفي أن يكون لدى فريق الترميم مهارة تنفيذية أو خبرة ميدانية فقط, لأن القرارات اليومية مثل اختيار مادة حقن, أو طريقة تنظيف واجهة حجرية, أو حدود الاستبدال في عنصر خشبي, تترتب عليها آثار طويلة الأمد على أصالة المبنى وقيمته الثقافية. هنا تأتي المواثيق الدولية لترميم المباني التاريخية باعتبارها مرجعيات أخلاقية ومهنية توح د لغة العمل بين المعماريين, والمرممين, والمهندسين, والآثاريين, والجهات المالكة والبلديات.
المواثيق ليست قوانين ملزمة في كل الدول, لكنها تشكل معيارا دوليا يوجه السياسات الوطنية, ويؤثر في شروط التمويل, ويحدد ما يعتبر ممارسة جيدة أو ممارسة خطرة. لذلك فإن فهم مضمونها, ومتى يطبق, وكيف يترجم إلى مواصفات وعقود وأعمال ميدانية, هو جزء أساسي من عمل أي مشروع في "Re-Heritage".
2) نقطة رقم 1, ميثاق أثينا 1931, البدايات الأولى لخطاب الترميم المنظم
يعد ميثاق أثينا لعام 1931 من أولى المحاولات الدولية لتقنين مبادئ الترميم والحفاظ. جاء في فترة كانت فيها أعمال الترميم تتأرجح بين إعادة بناء كاملة على طريقة "الاستعادة" وبين تدخلات تقنية غير منضبطة. أهمية هذا الميثاق أنه حاول رسم حدود عامة, مثل الدعوة إلى احترام الطابع التاريخي للمباني, وإلى ضرورة الاعتماد على دراسات قبل التدخل.
من أهم أفكاره التأكيد على دور البحث العلمي والتوثيق, وعلى أهمية المختبرات وتحليل المواد, وعلى تجنب الترميم التخييلي. كما أشار إلى أن الإضافة الجديدة يجب أن تحترم المبنى, وأن استخدام المواد الحديثة يمكن قبوله عندما يكون ذلك ضروريا ومثبتا علميا.
على مستوى التطبيق, يمكن قراءة ميثاق أثينا كبداية لفكرة "الترميم كعلم" وليس فقط كحرفة. لكنه بقي عاما, ولم يحسم كثيرا من النقاط التي ستظهر لاحقا, مثل مفهوم الأصالة, أو حدود إعادة البناء, أو الفروق بين المحافظة, الترميم, وإعادة التأهيل.
3) نقطة رقم 2, ميثاق فينيسيا 1964, المرجع الأكثر تأثيرا في ترميم الآثار
ميثاق فينيسيا لعام 1964 يعتبر أكثر المواثيق تأثيرا في مجال ترميم المواقع الأثرية والمباني التاريخية. أهم ما قدمه هو تثبيت الفلسفة التي ترى أن هدف الترميم هو صون الأثر باعتباره شهادة تاريخية ومصدرا للمعلومات, وليس إعادة خلق صورة مثالية عن الماضي. لذلك ركز على احترام المادة الأصلية, وعلى أن أي تدخل يجب أن يكون محدودا, وقابلا للتعرف, ومبنيا على توثيق دقيق.
يعطي الميثاق مكانة حاسمة للتوثيق قبل وأثناء وبعد الترميم, ويشجع على الدراسات التاريخية والإنشائية والمخبرية. كما يتعامل مع المبنى ضمن سياقه, أي أن قيمة الأثر لا تنفصل عن الموقع المحيط, والعلاقات العمرانية, والمنظر الثقافي.
من النقاط العملية المهمة في ميثاق فينيسيا أنه يرفض الإضافات التخيلية, ويقيد إعادة البناء إلا في نطاق ضيق جدا عندما تكون الأجزاء المفقودة معروفة بشكل لا يقبل الشك. ويؤكد أن المواد والتقنيات الحديثة يمكن استخدامها إذا ثبت أنها فعالة ولا تضر, ولكن بشرط أن لا تزي ف المعنى التاريخي.
في مشاريع الترميم, يمكن تحويل ميثاق فينيسيا إلى قواعد مواصفات, مثل العمل على أقل تدخل ممكن, تمييز الجديد عن القديم دون إزعاج بصري, اعتماد مواد متوافقة, توثيق فوتوغرافي ورسومي, تبرير كل قرار في تقرير ترميم.
4) نقطة رقم 3, إعلان أمستردام 1975 والميثاق الأوروبي للتراث المعماري, مفهوم "الحفظ المتكامل"
نقل إعلان أمستردام 1975 النقاش من ترميم مبنى منفرد إلى سياسة حضرية تتعامل مع التراث كجزء من التنمية. ظهر هنا مفهوم "الحفظ المتكامل", الذي يعني أن صون التراث لا يتحقق فقط عبر أعمال ترميم, بل عبر إدماجه في التخطيط, والإسكان, والاقتصاد المحلي, والحركة المرورية, وتشريعات البناء.
الجوهر هو أن المباني التاريخية ليست متاحف جامدة, بل موارد ثقافية يمكن أن تستمر في خدمة المجتمع إذا تم استخدامها بشكل مناسب. لذلك يركز الإعلان على إعادة التأهيل, وعلى توفير وظائف متوافقة, وعلى دعم الحرف التقليدية, وعلى مشاركة المجتمع المحلي.
هذا المنظور مهم جدا في مشاريع الأحياء القديمة, حيث يكون الخطر الأكبر ليس انهيار مبنى واحد, بل تفكك النسيج العمراني بسبب هجرة السكان, أو ضغط الإيجارات, أو تغييرات استعمالات غير متوازنة. في هذه الحالة, تطبيق مبادئ الحفظ المتكامل يعني العمل على مستوى سياسات وميزانيات وتوازنات اجتماعية, وليس فقط تفاصيل تقنية.
5) نقطة رقم 4, ميثاق بورا 1979 وتحديثاته, منهجية "الأهمية الثقافية" وإدارة التغيير
ميثاق بورا, الذي صدر في أستراليا عام 1979 وتم تحديثه عدة مرات, قدم واحدة من أكثر المنهجيات العملية لاستخدامها في مشاريع الحفاظ. الفكرة الأساسية هي أن القرار لا يبدأ من اختيار تقنية الترميم, بل يبدأ من تحديد "الأهمية الثقافية" للمكان, أي مجموع القيم التاريخية, الجمالية, العلمية, الاجتماعية, والروحية التي يحملها.
بمجرد تحديد الأهمية الثقافية, يتم إعداد سياسة الحفاظ, ثم خطة إدارة, ثم تنفيذ أعمال التدخل وفق هر م منطق واضح. يركز الميثاق على أن التغيير ممكن, لكنه يجب أن يكون موجها ومبررا, وأن يحمي القيم الأساسية. كما يشدد على مبدأ "الحد الأدنى من التدخل", وعلى احترام الأدلة المادية, وعلى أن إزالة طبقات تاريخية لاحقة ليست مقبولة إذا كانت تحمل قيمة بحد ذاتها.
من النقاط التي جعلت ميثاق بورا عمليا للغاية, أنه يفرق بين المصطلحات, مثل الصيانة, التثبيت, الترميم, إعادة البناء, التكييف لإعادة الاستخدام. هذا التفريق يساعد في صياغة نطاقات أعمال واضحة, وتجنب خلط المشاريع بين "ترميم" و"تجديد" و"تحديث" بطريقة تمحو الشواهد التاريخية.
6) نقطة رقم 5, مؤتمر نارا 1994 حول الأصالة, تجاوز النظرة الأوروبية الضيقة
وثيقة نارا حول الأصالة لعام 1994 جاءت لتوسيع مفهوم الأصالة الذي كان يقرأ أحيانا بطريقة مادية صارمة. أكدت الوثيقة أن الأصالة مفهوم مرتبط بالسياق الثقافي, وأن الشعوب قد تعبر عن التراث عبر مواد وتقاليد بناء وأساليب صيانة تختلف عن النموذج الغربي.
هذا مهم عندما نتعامل مع تراث حي, أو عمارة طينية, أو مبان تعتمد على دورات صيانة دورية تشمل الاستبدال الجزئي, أو عندما يكون "الاستمرار في الاستخدام" جزءا من معنى المكان. وفقا لنارا, لا يمكن تقييم الأصالة فقط عبر بقاء المادة الأصلية, بل عبر صدقية التعبير عن القيم, وزخم التقاليد, والعلاقة بالمجتمع.
عمليا, تساعد وثيقة نارا فرق "Re-Heritage" على إجراء تقييم متعدد الأبعاد, يسأل مثلا, ما الذي يجعل هذا المبنى أصيلا في سياقه, هل هي المادة, أم التقنية, أم الشكل, أم الوظيفة, أم الطقوس المرتبطة به. وبناء على ذلك تتغير قرارات المواد, وحدود الاستبدال, وموقفنا من الإكمال أو إعادة البناء.
7) نقطة رقم 6, مبادئ اليونسكو واتفاقية التراث العالمي 1972, إطار القيمة العالمية الاستثنائية
اتفاقية التراث العالمي 1972 لا تعد ميثاق ترميم تفصيلي, لكنها تؤسس لإطار دولي يؤثر بقوة على كيفية إدارة المواقع المسجلة, أو المرشحة للتسجيل. جوهرها مفهوم "القيمة العالمية الاستثنائية", ومعايير النزاهة, والأصالة, وخطط الإدارة, والمراقبة الدورية.
عندما يكون المبنى أو الموقع ضمن نطاق التراث العالمي, أو ضمن منطقة عازلة, تصبح أي تدخلات خاضعة لمستوى أعلى من التدقيق, ويصبح إعداد ملف توثيق وخطة إدارة أمرا لا غنى عنه. كما تعزز الاتفاقية فكرة أن التراث جزء من مسؤولية مشتركة للإنسانية, حتى لو بقيت السيادة الوطنية على الموقع.
في مشاريع الترميم, يترجم هذا الإطار إلى متطلبات مثل تقييم الأثر على التراث, وضمان أن التدخلات لا تؤثر سلبا على السمات التي تمنح الموقع قيمته العالمية, وربط الترميم بإدارة المخاطر, مثل الزلازل, الفيضانات, الحرائق, والسياحة المفرطة.
8) نقطة رقم 7, ميثاق فلورنسا 1981 للحدائق التاريخية, التراث الحي يحتاج مقاربة مختلفة
ميثاق فلورنسا يتعامل مع الحدائق التاريخية بوصفها أعمالا معمارية ومناظر ثقافية حية, تتغير باستمرار بسبب نمو النباتات وتبدل الفصول. لذلك لا يمكن تطبيق منطق "تثبيت المادة الأصلية" بنفس الصرامة التي تطبق على الحجر أو الطوب. يقدم الميثاق مبادئ مهمة مثل ضرورة فهم التصميم الأصلي, ومراحل تطور الحديقة, وأهمية الصيانة المستمرة.
يركز الميثاق على أن عناصر الحديقة, مثل الأشجار, المسارات, أنظمة المياه, تمثل مكونات لها قيمة تاريخية, وأن الاستبدال قد يكون جزءا من الصيانة الطبيعية, لكن بشرط احترام الأنواع النباتية والتكوين العام والروح. كما يدعو إلى توثيق الحالة النباتية, وإلى وضع خطط صيانة طويلة الأمد.
أهمية هذا الميثاق لمشاريع المباني التاريخية تظهر عندما يكون المبنى جزءا من مجمع, أو عندما يكون الفناء الداخلي أو البستان جزءا من القيمة. عندها لا يصبح الترميم جداريا فقط, بل يشمل إدارة ماء, تربة, ظل, واستخدامات يومية.
9) نقطة رقم 8, ميثاق واشنطن 1987 للمناطق التاريخية, حماية النسيج والهوية الحضرية
ميثاق واشنطن, المعروف بميثاق الحفاظ على المدن والمناطق الحضرية التاريخية, يوسع نطاق العمل من مبنى إلى حي. يؤكد الميثاق أن القيمة لا تكمن فقط في المعالم الكبرى, بل أيضا في النسيج, والارتفاعات, والفراغات العامة, والواجهات, والمواد, وأنماط الاستخدام.
يدعو الميثاق إلى الحفاظ على العلاقات المورفولوجية, مثل التقسيمات العقارية, ومسارات الحركة, والواجهات المتصلة, وكذلك الحفاظ على الوظائف الاجتماعية لمنطقة تاريخية. ويحذر من إدخال مشاريع كبيرة لا تحترم المقياس العمراني, أو من استخدام مواد وأشكال تخلق تزويرا أو تقليدا سطحيا.
من منظور تنفيذي, يعني ذلك أن مشروع ترميم مبنى في حي تاريخي يجب أن يراجع تأثيره على الشارع, على الرؤى والمناظر, على حركة السكان, على الضوضاء, وعلى الاقتصاد المحلي. كما يعني أن إجراءات مثل فتح واجهات تجارية جديدة أو تغيير النوافذ يجب أن تندرج في دليل تصميم للمنطقة لا في قرارات فردية معزولة.
10) نقطة رقم 9, مواثيق ICOMOS المتخصصة, العمارة الخشبية, الطوب, والأسطح, ومواد البناء التقليدية
على مدى العقود, أصدرت ICOMOS مبادئ ومواثيق وإرشادات متخصصة تستهدف أنواع محددة من التراث. من الأمثلة مبادئ الحفاظ على الهياكل الخشبية, ومبادئ تحليل وصون المباني الطوبية, وإرشادات تتعلق بالتدخلات في الأسطح التاريخية, وبصون النقوش والواجهات.
القيمة هنا أن المواثيق العامة مثل فينيسيا تقدم فلسفة, بينما الإرشادات المتخصصة تقترب من أسئلة تقنية, مثل كيفية تقييم تلف الخشب, ومتى يسمح بالاستبدال الجزئي, وكيفية منع الرطوبة الشعرية في الطوب دون إغلاق المسام, وكيفية التعامل مع أملاح الكبريتات والكلوريدات.
في مشاريع "Re-Heritage", ينصح دائما بربط القرار الميداني بإطارين معا, إطار فلسفي يحدد ماذا نحمي ولماذا, وإطار تقني يحدد كيف ننفذ دون ضرر. الجمع بين المواثيق العامة والمواثيق المتخصصة يقلل من القرارات الحدسية غير المدروسة.
11) نقطة رقم 10, مبدأ الحد الأدنى من التدخل, قلب معظم المواثيق الدولية
الحد الأدنى من التدخل لا يعني التردد أو تجميد المشكلة, بل يعني اختيار أصغر تدخل قادر على تحقيق الاستقرار والحماية. يظهر هذا المبدأ في فينيسيا وبورا ومواثيق أخرى, وهو من أكثر المبادئ صعوبة في التطبيق لأن الضغوط العملية تدفع نحو حلول "مضمونة" لكنها عنيفة مثل استبدال شامل أو تغليف كامل.
لتطبيقه, يجب أولا تشخيص المشكلة بدقة, مثلا هل التشقق نشط أم قديم, هل الرطوبة ناشئة من تسرب أم من تكاثف, هل تفتت الحجر بسبب الأملاح أم بسبب ميكانيكا تحميل. ثم يتم اختيار حل متدرج يبدأ بالتصحيح البيئي والصيانة, ويصل إلى التدعيم فقط عند الضرورة.
من أدوات الحد الأدنى من التدخل اعتماد الصيانة الدورية, تحسين التصريف, إصلاح نقاط الضعف المحلية بدل الاستبدال الكلي, واختيار تقنيات قابلة للعكس أو على الأقل قابلة للإزالة دون تدمير.
12) نقطة رقم 11, قابلية التمييز بين القديم والجديد, دون ادعاء أو تشويه
تتكرر في المواثيق فكرة أن الإضافة الجديدة يجب أن تكون قابلة للتمييز عن الأصل, ولكن بطريقة لا تفسد القراءة البصرية ولا تخلق تنافرا. المقصود هو تجنب التزوير التاريخي, بحيث لا يختلط على الباحث أو الزائر ما هو أصلي وما هو مضاف.
التمييز يمكن أن يتحقق بوسائل متعددة, مثل نقش تاريخ التنفيذ على حجر الإضافة, أو استخدام تفصيل بسيط مختلف, أو خط فاصل رفيع, أو مادة مكافئة لكن ليست نسخة مطابقة. وفي المقابل, لا يعني التمييز أن تكون الإضافة صادمة أو عدائية للمكان, لأن المواثيق تدعو أيضا للانسجام واحترام السياق.
في إعداد المواصفات, يفضل تحديد استراتيجية التمييز منذ مرحلة التصميم, وليس تركها لقرار موقع العمل. كما يجب توثيق مواقع الإضافات في مخططات نهائية, لأن هذا جزء من أمانة الترميم تجاه المستقبل.
13) نقطة رقم 12, التوثيق الشامل, شرط أخلاقي قبل أن يكون إجراء إداريا
تجمع المواثيق على أن التوثيق عنصر أساسي. التوثيق لا يقتصر على تصوير قبل وبعد, بل يشمل رفعا معماريا دقيقا, وتقارير حالة, وخرائط أمراض, وتحليل مواد, وسجل قرارات يشرح لماذا اختيرت هذه التقنية دون غيرها. فينيسيا وبورا يؤكدان أن كل مرحلة يجب أن تترك أثرا معرفيا يمكن الرجوع إليه.
التوثيق يحمي المبنى لأنه يمنع فقدان المعلومات خلال التدخل, ويحمي الفريق لأنه يقدم حجة علمية عند اختلاف الآراء, ويحمي المالك لأنه يضمن تتبع ما تم إنفاقه ولماذا. كما يساعد على صيانة مستقبلية, حيث يمكن رصد نجاح أو فشل المعالجات مع الوقت.
تطبيق عملي مفيد هو اعتماد "دفتر موقع ترميم", يتضمن يوميات العمل, عينات المواد, نتائج اختبارات, صور موضعية بعلامات قياس, وأي تغييرات على التصميم. بهذا يصبح المشروع قابلا للمراجعة العلمية لا مجرد عمل إنشائي.
14) نقطة رقم 13, احترام طبقات التاريخ, وعدم العودة القسرية إلى حقبة واحدة
من أهم دروس المواثيق أن المبنى التاريخي غالبا ما يحمل طبقات متعددة. إزالة طبقة لاحقة لإظهار طبقة أقدم قد تكون خسارة لقيمة تاريخية حقيقية, لأن المرحلة اللاحقة قد تمثل تحولا ثقافيا أو اجتماعيا أو تقنيا. لذلك يدعو ميثاق بورا وغيرها إلى تقييم كل طبقة قبل اتخاذ قرار الإزالة.
يحصل الخطأ عندما يتم تبني فكرة "العودة إلى الأصل" بشكل مطلق, دون دليل قوي, ودون الاعتراف بأن "الأصل" نفسه قد يكون غير محدد. في حالات كثيرة, يكون الأصل سلسلة تحولات, وليس لحظة واحدة.
عمليا, تعني هذه القاعدة أن أعمال التحبير, أو فتح الأقواس المغلقة, أو إزالة إضافات القرن العشرين, يجب أن تخضع لتحليل قيمة, وقد ينتهي الأمر بالحفاظ على الإضافة إذا كانت منسجمة وتمثل مرحلة تاريخية مهمة.
15) نقطة رقم 14, التوافق المادي والفيزيائي, لا تستخدم مادة ممتازة إذا كانت غير متوافقة
التوافق لا يعني التشابه الشكلي فقط. المواثيق تشدد على أن مواد الترميم يجب أن تتوافق مع المواد الأصلية من حيث النفاذية, المرونة, معامل التمدد الحراري, والسلوك مع الرطوبة والأملاح. استخدام مونة إسمنتية قاسية على جدار مبني بمونة جيرية مثلا قد يسبب تفتت الطوب أو الحجر مع الزمن.
التوافق يشمل أيضا الكيمياء, مثل تأثير الأملاح والملوثات, وقدرة المادة على التنفس, ومدى قابليتها للإزالة لاحقا. القاعدة العملية هي اختيار مواد قابلة للتشغيل والصيانة, وليست فقط مواد ذات مقاومة عالية في المختبر.
لكي لا يبقى مفهوم التوافق شعارا عاما, يجب إدخال متطلبات اختبارات, مثل تحليل مكونات المونة الأصلية, قياس امتصاص الماء, واختبارات التصاق, وتجارب على مناطق صغيرة قبل التعميم.
16) نقطة رقم 15, القابلية للعكس, هدف مثالي, وبدائله الواقعية
بعض المواثيق والإرشادات تدعو إلى أن تكون التدخلات قابلة للعكس, أي يمكن إزالتها في المستقبل دون إتلاف الأصل. هذا المبدأ مهم خصوصا مع تطور المعرفة, حيث قد تظهر حلول أفضل لاحقا. لكن القابلية للعكس ليست دائما ممكنة, خاصة في التدعيم الإنشائي أو الحقن العميق.
لذلك يمكن اعتماد مفهوم أكثر واقعية, وهو "القابلية للإزالة" أو "قابلية الاستبدال" أو على الأقل "الحد من عدم الرجعة". مثال ذلك اختيار أنظمة تدعيم يمكن فكها, أو وضع طبقة فصل قبل إضافة عناصر جديدة, أو تجنب الإضافة التي تتطلب تخريبا واسعا للمادة الأصلية.
الأهم هو الصراحة في التوثيق, إذا كان التدخل غير قابل للعكس يجب ذكر ذلك بوضوح, مع شرح لماذا لم توجد بدائل, وكيف تم تقليل المخاطر.
17) نقطة رقم 16, إدارة المخاطر والكوارث, الحرائق والزلازل والفيضانات ضمن خطاب المواثيق الحديثة
مع تزايد الكوارث الطبيعية وتغير المناخ, صار الحفاظ مرتبطا بإدارة المخاطر. حتى لو لم تذكر المواثيق القديمة التفاصيل, فإن التوجه العام في وثائق اليونسكو وICOMOS الحديثة يركز على استعداد المواقع, وخطط الطوارئ, وتقييم الهشاشة, وتدابير وقائية تقلل الضرر.
بالنسبة للمباني التاريخية, إدارة المخاطر تعني أشياء محددة مثل تحسين أنظمة الكهرباء لمنع الحرائق دون إزعاج العناصر التاريخية, تأمين مخارج الطوارئ بطريقة متوافقة, تقوية نقاط الضعف الزلزالي بتدخلات محسوبة, تحسين التصريف السطحي ومنع تجمع المياه, وتركيب نظم مراقبة رطوبة وشقوق.
الأولوية هنا للوقاية, لأن ما يفقد في كارثة غالبا لا يمكن تعويضه دون الوقوع في إعادة بناء تخييلية. لذلك تعد الوقاية امتدادا مباشرا لمبدأ الحد الأدنى من التدخل.
18) نقطة رقم 17, إعادة الاستخدام والتأهيل, كيف تتعامل المواثيق مع احتياجات العصر
الكثير من المباني التاريخية تفقد وظيفتها الأصلية. المواثيق لا ترفض إعادة الاستخدام, بل تعتبرها أداة للحفاظ بشرط أن تكون الوظيفة الجديدة متوافقة ولا تفرض تغييرات جذرية. ميثاق بورا وإعلان أمستردام يدعمان هذا الاتجاه بوضوح.
إعادة الاستخدام الناجحة تتطلب قراءة دقيقة لما يمكن تغييره وما لا يمكن تغييره. مثلا, قد يكون من المقبول إضافة خدمات ميكانيكية وكهربائية حديثة, لكن يجب احترام المسارات الأصلية, والفراغات الأساسية, والعناصر الزخرفية. كما يجب التحكم في الأحمال الجديدة, والاهتزازات, والرطوبة الناتجة عن أنظمة تكييف غير مدروسة.
في العقود والمواصفات, يفضل دائما إدراج بند "تصميم التكييف لإعادة الاستخدام" كجزء من الحفظ, بحيث يتم وضع بدائل وتقارن آثارها على القيم الثقافية, بدل اعتماد حل واحد يفرضه المستثمر أو المقاول.
19) نقطة رقم 18, التعامل مع الإضافات الحديثة, بين الانسجام والصدق المعاصر
الإضافة المعاصرة قد تكون ضرورة وظيفية, مثل مصعد لذوي الإعاقة, أو كتلة خدمات, أو توسعة لإدارة الزوار. المواثيق تدعو إلى أن تكون الإضافة محترمة للسياق ومتمايزة في الوقت نفسه. هذا يفتح نقاشا حول اللغة المعمارية, هل نقلد القديم أم نعبر عن العصر.
الخطأ الشائع هو التقليد الحرفي الذي ينتج "مبنى مزيفا" يبدو قديما لكنه حديث. والخطأ المقابل هو تصميم متعمد للصدمة. المقاربة المتوازنة تعتمد على تحليل القيم, وتحديد نقاط الحساسية البصرية, وتوزيع الكتل, واختيار مواد متقاربة في المقياس والملمس دون نسخ زخارف تاريخية بشكل مبتذل.
عمليا, يجب أن يسبق قرار الإضافة دراسة بدائل, منها خيار عدم الإضافة, أو خيار إضافة تحت الأرض, أو خيار إضافة قابلة للفك, أو خيار إعادة تنظيم داخلي يقلل الحاجة للكتلة الجديدة.
20) نقطة رقم 19, المشاركة المجتمعية والأبعاد الاجتماعية للترميم, درس أمستردام وبورا ومواثيق لاحقة
التراث ليس فقط حجرا وخشبا, بل علاقة مجتمع بمكان. المواثيق الحديثة تشدد على أهمية إشراك أصحاب المصلحة, من سكان, وحرفيين, ومؤرخين محليين, ومستخدمين. المشاركة تمنع فرض قرارات لا تعكس معنى المكان, وتساعد على استدامة الصيانة.
المشاركة لا تعني التصويت على كل تفصيل تقني, بل تعني بناء فهم مشترك للقيم, وشرح الخيارات, والاستماع لخبرات محلية مثل طرق الصيانة التقليدية, أو تاريخ الاستخدام. كما تعني احترام حقوق السكن والعمل في المناطق التاريخية, وتجنب الترميم الذي يؤدي إلى طرد السكان عبر ارتفاع الكلفة.
في مشاريع "Re-Heritage", يمكن إدماج المشاركة عبر ورش تعريفية, وجلسات استماع, وبرامج تدريب حرفي, وتواصل دوري يشرح تقدم العمل ونتائج الاختبارات.
21) نقطة رقم 20, أخلاقيات المهنة, من يقرر وما حدود سلطة الخبير
المواثيق الدولية تحمل بعدا أخلاقيا واضحا. فهي تذكر بأن الهدف ليس إرضاء ذائقة معمارية, ولا تعظيم الربح, بل صون شهادة تاريخية للأجيال. لذلك تضع مسؤولية على الخبراء كي لا يبرروا تدخلا مفرطا بحجة التحسين, ولا يغطوا على نقص الدراسات بسرعة التنفيذ.
كما تطرح المواثيق مسألة تضارب المصالح. أحيانا يكون المصمم نفسه هو المنفذ, أو يكون هناك ضغط سياسي لافتتاح سريع. الأخلاق المهنية تقتضي الشفافية, وإعلان المخاطر, ورفض الأعمال التي تؤدي إلى تزوير أو ضرر.
والأهم أن الخبير ليس وحده صاحب القرار, بل هو جزء من منظومة تشمل المالك والمجتمع والجهات التنظيمية, لكن عليه أن يقدم توصية تستند إلى أفضل الممارسات الدولية, وأن يرفض ما يخالف جوهر المواثيق.
22) نقطة رقم 21, كيف نقرأ المواثيق, لا تطبق كقوالب ثابتة بل كمنهج تفكير
خطأ شائع هو التعامل مع الميثاق كقائمة ممنوعات مطلقة. الواقع أن المواثيق تقدم مبادئ عامة, وتفترض وجود تحليل حالة. لذلك يجب قراءتها كمنهج أسئلة: ما قيمة هذا العنصر, ما مستوى التدخل الضروري, ما البدائل الأقل ضررا, كيف نوثق, وكيف نجعل الجديد صادقا ومميزا.
كما يجب فهم أن المواثيق تطورت تاريخيا, وأن بعضها يعكس سياقات معينة. مثلا, ميثاق فينيسيا ولد من خبرة مواقع أثرية حجرية أوروبية, بينما وثيقة نارا توسع الإطار إلى ثقافات ومواد وتقاليد مختلفة. الجمع بينهما يخلق توازنا بين احترام المادة واحترام المعنى الثقافي.
لذلك من الأفضل في كل مشروع إعداد "مصفوفة مرجعية" تربط قرارات المشروع بمبادئ من مواثيق متعددة, مع توضيح سبب اختيار مرجع معين في نقطة محددة.
23) نقطة رقم 22, خطوات عملية لترجمة المواثيق إلى خطة ترميم قابلة للتنفيذ
هذه الخطوات ليست منفصلة, بل تتداخل. لكن وجودها كسلسلة واضحة يمنع الانزلاق إلى التنفيذ المباشر دون فهم القيم, وهو ما تحذر منه المواثيق مرارا.
24) نقطة رقم 23, أمثلة قرارات ميدانية شائعة وكيف تهدي المواثيق اختيار الحل
هذه الأمثلة توضح أن المواثيق ليست نظرية بعيدة, بل تؤثر في تفاصيل دقيقة مثل ضغط الماء في التنظيف, نوع المونة, أو مسار تمديدات الكهرباء.
25) نقطة رقم 24, حدود إعادة البناء, بين الضرورة والرفض, وما تقوله المواثيق
إعادة البناء من أكثر القضايا جدلا. ميثاق فينيسيا يقيدها بشدة, ويشترط أن تستند إلى أدلة مؤكدة. في حالات الدمار بسبب حرب أو زلزال, يظهر ضغط اجتماعي لإعادة المبنى كما كان. هنا يتطلب القرار ميزانا بين احترام المادة المفقودة وبين قيمة الرمزية والذاكرة.
النهج المتوافق مع المواثيق يعتمد على وضوح الدليل, وعلى توثيق ما هو أصلي وما هو معاد بناؤه, وعلى تجنب تقديم نسخة جديدة باعتبارها أصلا. كما يتطلب التفكير في البدائل, مثل تثبيت الأطلال, أو بناء معاصر يوضح الفقد, أو إعادة بناء جزئية تحمي ما تبقى.
في كل الأحوال, إعادة البناء يجب أن لا تتحول إلى عادة سهلة تبرر الإزالة ثم إعادة الصنع, لأن ذلك يهدم مفهوم الأصالة ويحول التراث إلى منتج قابل للاستبدال.
26) نقطة رقم 25, الحرف التقليدية والمعرفة المحلية, جزء من مضمون المواثيق وإن لم تذكر دائما بالتفصيل
الحفاظ الناجح يعتمد على فهم تقنيات البناء التقليدي, مثل المونة الجيرية, اللدائن الطينية, النجارة التقليدية, والزخارف الجصية. المواثيق تشجع على استخدام التقنيات التقليدية عندما تكون مناسبة, وعلى تدريب الحرفيين, لأن فقدان المهارة يؤدي إلى حلول صناعية غير متوافقة.
كما أن الحرف ليست فقط وسيلة تنفيذ, بل مصدر معرفة عن كيفية عمل المبنى, وكيف يتنفس, وكيف يتفاعل مع المناخ. في كثير من الحالات, تكون طريقة صيانة تقليدية بسيطة أكثر فاعلية من مادة كيميائية حديثة.
في مشاريع "Re-Heritage", دعم الحرفة يعني أيضا دعم اقتصاد محلي, وتوفير استدامة للصيانة بعد انتهاء المشروع, وهو ما يتناغم مع مفهوم الحفظ المتكامل.
27) نقطة رقم 26, ما الذي لا تقوله المواثيق, ولماذا تحتاج إلى معايير وطنية ومحلية مكملة
المواثيق تقدم مبادئ عامة ولا تدخل عادة في تفاصيل الكودات, مثل مقاومة الحريق, أو اشتراطات الوصول, أو حدود الحمولة. لذلك تحتاج مشاريع الترميم إلى مواءمة بين المواثيق وبين القوانين الوطنية, ومعايير السلامة, ومتطلبات الاستخدام.
كما أن المناخ والمواد المحلية تفرض فروقا. ما يصلح لحجر كلسي في مدينة متوسطية قد لا يصلح لطوب طيني في بيئة صحراوية. هنا يجب استخدام المواثيق كإطار قيم, ثم تطوير أدلة محلية للتفاصيل التقنية, مثل نسب خلط المونة, وأنواع الحجر, وأساليب معالجة الرطوبة.
المخرجات المثالية هي منظومة متكاملة, مواثيق دولية لتحديد الاتجاه, وأدلة وطنية لضبط التنفيذ, ومواصفات مشروع محددة تربط كل ذلك بحالة المبنى الفعلية.
28) نقطة رقم 27, قائمة مختصرة بأهم المواثيق والوثائق التي تتكرر في أدبيات الترميم
هذه القائمة لا تغطي كل شيء, لكنها تشكل نواة مرجعية تتكرر عند إعداد ملفات الترميم, الدراسات الجامعية, وتقييمات المشاريع.
29) نقطة رقم 28, كيف تستخدم "Re-Heritage" المواثيق كأداة جودة داخلية
في الممارسة المهنية, يمكن تحويل المواثيق إلى نظام ضمان جودة. مثلا, قبل اعتماد أي حل, يتم طرح أسئلة مستمدة من المبادئ: هل التدخل ضروري, هل هو متوافق, هل هو موثق, هل يمكن تمييزه, هل يحافظ على القيم الأساسية, هل يسبب ضررا غير قابل للإصلاح. بهذه الطريقة تتحول المواثيق من نصوص إلى آلية قرار.
كما يمكن اعتماد "مراجعة مواثيق" في نهاية كل مرحلة تصميم. المرحلة الأولى تراجع بيان القيمة وخطة التوثيق, المرحلة الثانية تراجع بدائل التدخل وحدوده, المرحلة الثالثة تراجع تفاصيل المواد, وخطة التمييز, وخطة الصيانة. هذا النمط يقلل من المفاجآت في الموقع, ويمنع انحراف المشروع إلى تجديد تجميلي.
وأخيرا, المواثيق تساعد على التواصل مع المالك والجهات الرسمية. عندما يكون القرار مبنيا على مرجعية دولية, يصبح الحوار أكثر موضوعية, ويقل خطر تحويل المشروع إلى معركة أذواق أو مصالح.
30) نقطة رقم 29, ملاحظات ختامية, ما الذي يجب أن يبقى في ذهن فريق الترميم دائما
بهذه النقاط, تصبح المواثيق الدولية لترميم المباني التاريخية أدوات عملية توجه التشخيص, وتضبط حدود التدخل, وتعزز الشفافية. والنتيجة المتوقعة ليست فقط مبنى يبدو جميلا بعد الافتتاح, بل مبنى يحتفظ بصدقه التاريخي, ويبقى قابلا للفهم والدراسة والاستخدام, مع أقل قدر ممكن من الفقد, وبأكبر قدر ممكن من الاحترام للزمن وللمجتمع الذي يعيش حوله.